محمد سعيد رمضان البوطي

125

فقه السيرة ( البوطي )

فللإسلام من المجتمع مساجده وسائر مظاهره العبادية ، يحكم ضمن ذلك على الناس بكل ما يريد ، ولهم منه نظمه وتشريعاته وأخلاقه يغيرون منها ويبدلون كما يريدون ! . . ولو أن المتألهين والبغاة الذين أرسلت إليهم الرسل فكذبوا برسالاتهم تنبهوا لهذا الحلّ الطريف إزاء دعوتهم إلى الإسلام ، لما توانوا عن الدخول فيه وإظهار الطواعية له ، ما دام أنه لا يكلفهم التنازل عن حاكميتهم ولا ترك شيء من قوانينهم وتنظيماتهم ، ولما بخلوا في مقابل ذلك بكلمة يرددونها أو طقوس يتركون السبيل إليها ، ولكنهم علموا أن هذا الدين يكلفهم أول ما يكلفهم الدخول في نظام وحكم جديدين ، التشريع والحكم فيه إلى اللّه وحده ، فمن أجل ذلك شاقوا اللّه ورسوله وعز عليهم أن يعلنوا إسلامهم لدعوة اللّه عز وجل . وفي بيان هذه الحقيقة والتحذير من فهم الإسلام على أنه كلمات وعبادات فقط ، يقول اللّه عز وجل : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ( 60 ) [ النساء : 60 ] . غير أنك لا تجد في بنود هذه المبايعة بندا يتعلق بالجهاد ، وسبب ذلك أنه لم يكن قد شرع الجهاد والقتال في ذلك الحين بعد ، ولذلك كانت مبايعة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لأولئك الرجال الاثني عشر خالية من الإشارة إليه وهذا معنى ما يقوله رواة السيرة من أن هذه المبايعة كانت على نمط مبايعة النساء . رابعا : ما من ريب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان هو المتكفل بعبء الدعوة إلى دين اللّه ، إذ هو رسوله إلى الناس كافة فلا بد له من تبليغ دعوة ربه . ولكن ماذا عن أولئك الذين يدخلون في الإسلام وعن علاقتهم بعبء هذه الدعوة ؟ . إنك لتجد الجواب على هذا ، في إرسال الرسول صلى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير مع أولئك الاثني عشر إلى المدينة بدعوة أهل المدينة إلى الإسلام وتعليمهم قراءة القرآن وأحكامه وإقامة الصلاة . ولقد انطلق مصعب بن عمير سعيدا بتلبية أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ، وراح يدعو أهل المدينة إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن ويبلغهم أحكام اللّه ، ولقد كان الرجل يدخل عليه في يده حربة يريد أن يقتله بها ، فما هو إلا أن يتلو عليه شيئا من كتاب اللّه ويذكر له بعض أحكام الإسلام ، حتى يلقي حربته ويتخذ مجلسه مع من حوله مسلما